اتفقت أنا وصاحب لي أن نذهب لزيارة أحد الأصدقاء في أحد المدن القريبة منا ، وبينا أنا أسير في الطريق العام ، أوقفت سيارتي على حافة الطريق أنتظر صاحبي وبدأت أجول بناظري ؛ أرقب الرائح والغادي فأرى شاحنة محملة بأطنان من أكياس الشعير ، وقد جعلها صاحبها كالسبورة ؛ رسم فيها ذكرياته ومراتع صباه وعظيم شوقه إلى وطنه وما أصابه من الضيق والضنك بعد فراقه ، كما ضمنها حكمة لاتفهم منها إلا معناها الذي يدعو إلى الصبر الجميل ومثلاً لم يظهر منه إلا كلمتان فقط ! والثالثة انمحت بفعل عوامل التعرية ! وشطر بيت لأحد الشعراء الذين لم يعرفهم التاريخ ولم توجد الجغرافية لهم مكاناً ، إذًا كيف جاء شطر هذا البيت ؟ لا أدري ! وما بقي على صاحب هذه الشاحنة إلا أن يبكي على الأطلال – كما يفعل الشعراء الجاهليون – ..
و سيارة صغيرة ، تراها وهي خلف تلك الشاحنة كصوص يلاحق أمه ! يقودها شخص قد خيم السكون عليه كأن على رأسه طير، لايلتفت يمنة ولا يسرة يخشى من نوائب الدهر أن تقضي على اتزان غترته !
وآخر سيارته تلهث من شدة العطش ، فلم يبق مكان صالح للركوب – أو غير صالح – إلا وتجد فيه راكبًا من الأوزان الثقيلة ، ولو تنحنح أحدهم أو نهس نهسة لانفجرت السيارة بمن فيها ، وانقلبت من شدة ما تجد وتعاني !
ورابعٌ غدا يغذّ السير بكل عزيمة وهمة ، إلا أن لسيارته صوتًا ما أشبهه إلا بصوت آلات المصانع التي كانت مدارسنا تنظم لها الزيارات في حصص النشاط ، فعندما يدق الجرس مؤذنًا ببدء وقت حصة النشاط يطلع علينا أحد المعلمين ويأمرنا بالنزول إلى بوابة المدرسة فالحافلة الكريمة – التي قد أكل الدهر عليها وشرب – في انتظارنا وكل واحد منا يستقل مقعدًا ويظل شاخص البصر إلى حين وصولنا للمصنع الزاهر ! وما إن تطأ أقدامنا أرض المصنع إلا و نشعر بأن حياة جديدة كتبت لنا فنحمد الله على سلامة الوصول .. ويستقبلنا أحد العاملين في المصنع ويبدأ بشرح طريقة عمل المصانع فيصعد ويهبط ويبتسم ويعبس ، وأنت بالكاد تسمع حرفًا واحدًا بل تهزّ رأسك وتمضي مع الطلاب ..
وإن ضحكوا فمالك حيلة إلا افتعال الضحك
، وإذا أطلقوا عبارات الشكر والثناء ظننت انهم يطلبون المداخلات والأسئلة فترفع يدك للسؤال وقد اختتمت الزيارة فتجني ضحك الطلاب عليك !
أما إن أردت أن تهمس في أذن صاحبك فلا بد أن تصيح وتصرخ وتولول علّه أن يسمعك !
أما إن كان ضعيف السمع فالأفضل أن لا تحادثه .. بل استعمل لغة الإشارة فهي أسهل وأفضل !
وبعد تلك الزيارة المباركة !! يطلب منك المعلم العزيز أن تكتب تقريرًا عن هذه الزيارة ! فماذا عساك أن تكتب ؟!
أظن أن أفضل وسيلة أن تسجل أصوات الآلات وتقدمه لهم !
أو – إن شئت – فسجل صوت سيارة صاحبنا هذا فليست عنه ببعيدة !
أردت أن أحدثكم المزيد مما رأيت ولكن صاحبي أوقف سيارته أمامي ينتظرني ، وهاهو ذا يشير إليّ أن تعال .. فاسمحوا لي أن أترككم على أن ألقاكم في مقال آخر ..
( كتبت هذا المقال .. عفوًا هذه الخربشة .. قبل عامين أو ثلاثة .. أتمنى لكم المتعة .. فلا فائدة ترجى من ورائها .. )
محبكم : فارس ..
فارس، مقال جميل، وتصويرك رائع.
ويبدوا انك تسرح كثيراً وذلك مايبدوا عندما كنت في ذلك المصنع
إذاً، هذا المقال كتبته قبل سنتين. أعتقد بأن كتابتك تطورت وتحسنت، ألا من جديد؟
pen ..
نعم .. اسرح كثيرًا .. كما قلت ..
والجديد .. يأتي .. مادام عندنا أصحاب ذائقة رفيعة …
أمتن لك عزيزي بن .. بمتابعتك واهتمامك ..
أشكرك …
لابد لي من أن اعتذر عن ما قلت .. فلأنت تجيد النثر يا أخي … أين كنت تخبأ ذلك …!!!
رااااائع تأملك .. أو ما طالعت ناظريك غير هذا النوع البائس من المركبات … !!
دعنا نعب من جديدك …
أمممممممممم بدأت أدرك الفرق بين الجديد واللقديم !!!
خنفشار ..
لا داعي للاعتذار ..
دعني أقول لك … تعليقاتك .. تخبئ وراءها كاتبًا رائعاً … ولكن أين نلقاه ؟!
**********
أدركت الفرق بين الجديد والقديم … كيف ذلك ؟!
ممتعة أحرفك…تنقلنا إلى واقعية شديدةوكأننا نرقب الأحداث نحن..
وكأننا عايشناها نحن…
أتعطش كثيرا لهذا الإبداع… أهذه قبل سنتين..؟؟
امممممممم….ماالذي دونت منذ قريب..؟؟
…أسكب علينا مدادكـ فستمتعنا بالتأكيد…
قلم مكسور …
الأكثر متعة تعليقك الرائع …
القريب يأتي قريبًا … لنني انقطعت فترة عن الكتابة …. لأسباب عدة أبرزها عدم وجود الدافع …
لكنني أعدكم بالقريب … إن شاء الله …
بكل صراحه ووضح ..
لا مبالغات ولا مغالطات ..
انت تجيد تجسيد الحظات
وتنويع اللقطات ..
ما ادهشني في الموضوع دخولك المنساب من الطريق وسياراته الى المدرسة وزياراتها للمصانع!!
فعلا :: امر عجيب ان تجيد هذا الفن وتقول -لا نفع منه- ؟؟
انا بالنسبة لي نفعني كثيرا اذ اخذت درسا بطريقة التأمل وربط الاحداث حتى وانا في طريق او في مستشفى وعلى عجلة من امري ..
انت وكما وصفت كانت لحظات .. ..
لكن بالنسبة لي اظنها اطول عشت مع كل سيارة على ذاك الطريق وكأنني معهم ..
وخصوصا ( السياره المكتظه ) <<< أعانهم الله
مدادك زكي وسخي ..
على احر من الجمر بانتظار خربشاتك الرااااااائعه
لأعيش الجوووووووووو
الصوت الحر ..
أتمنى أن لا تضطرك الأيام إلى أن تركب ( السيارة المكتظة ) … أو أن تزور مصنعًا مثل هاتيك المصانع !!
أسعدني مرورك وتعليقك …
وسأخربش لاحقًا فانتظرني ….
دمت بود …