الصغير والعظيم ..!!

Posted On نوفمبر 1, 2008

Filed under شيء مما أعجبني !!

Comments Dropped 8 تعليقات

من العجز أن يزدري المرء نفسه فلا يقيم لها وزناً، وأن ينظر إلى من فوقه من الناس نظر الحيوان الأعجم إلى الحيوان الناطق، وعندي أن من يخطئ في تقدير قيمته مستعلياً خير ممن يخطئ في تقديرها متدلياً؛ فإن الرجل إذا صغرت نفسه في عين نفسه يأبى لها من أعماله وأطواره إلا ما يشاكل منزلتها عنده؛ فتراه صغيراً في علمه، صغيراً في أدبه، صغيراً في مروءته وهمته، صغيراً في ميوله وأهوائه، صغيراً في جميع شؤونه وأعماله؛ فإن عظمت نفسه عظم بجانبها كل ما كان صغيراً في جانب النفس الصغيرة.

ولقد سأل أحدُ الأئمة العظماء ولدَه – وكان نجيباً -: أيُّ غاية تطلب في حياتك يا بني؟ وأي رجل من عظماء الرجال تحب أن تكون ؟

فأجابه: أحب أن أكون مثلك، فقال: ويحك يا بني لقد صغَّرت نفسك، وسقطت همتك؛ فلتبك على عقلك البواكي، لقد قدّرت لنفسي يا بني في مبدأ نشأتي أن أكون كعلي بن أبي طالب؛ فما زلت أجدُّ، وأكدح حتى بلغتُ تلك المنزلة التي تراها، وبيني وبين علي ما تعلم، من الشأو البعيد والمدى الشاسع؛ فهل يسرك، وقد طلبت منزلتي أن يكون ما بينك وبيني من المدى مثل ما بيني وبين عليّ ؟

كثيراً ما يخطئ الناس في التفريق بين التواضع وصغر النفس، وبين الكبر وعلو الهمة، فيحسبون المتذلل المتملق الدنيء متواضعاً، ويسمون الرجل إذا رفع بنفسه عن الدنايا، وعرف حقيقة منزلته من المجتمع الإنساني متكبراً.

وما التواضع إلا الأدب، ولا الكبر إلا سوء الأدب؛ فالرجل الذي يلقاك متبسماً متهللاً، ويقبل عليك بوجهه، ويصغي إليك إذا حدثته ويزورك مهنئاً ومعزي- ليس صغير النفس كما يظنون، بل هو عظيمها؛ لأنه وجد التواضع أليق بعظمة نفسه؛ فتواضع، والأدبَ أرفعَ لشأنه؛ فتأدب.

هذه جزء من مقالة غاية في الروعة .. للأديب الكبير مصطفى لطفي المنفلوطي .. قرأتها منذ مدة .. وأعجبتني كثيرًا .. ورأيت أن أضعها لكم .. فربما قرأها شخص .. وشحذت فيه همة .. فالمقالة ككل رائعة واخترت منها هذا المقطع وعليكم أن تبحثوا عن باقيها لتكملوا قراءته ….

أراكم بخير ..

8 Responses to “الصغير والعظيم ..!!”

  1. Pen

    فارس، تعجبني ذائقتك دائماً.. ولكن هنا.. لا استطيع إلا أن أصمت فقط.
    مقال غاية في الروعة من شخص غاية في الأدب والخلق.
    دمت بحفظ الله، وطالماً أن ذاقتك على هذا الشكل، فلن أفارق مدونة فارس🙂

  2. Fares

    Pen ..

    أشكرك على متابعة مدونتي ..

    وبصراحة لا أجد ما أقول لك .. وأجدني سأصمت أنا الآخر من هذا الإطراء الذي لا أستحقه …

    ومادام عندنا مثل أولئك الكتاب الكبار … فلم لا تكون ذائقتنا رائعة ؟! فبضلهم حسنت ذائقتنا ..

    دمت بود أستاذي Pen ..

  3. خنفشار

    انتقاء متميز كعادتك أخي فارس …

    لو كنت أعلم في تأخيرك كل هذه الروعة ..

    لما استعجلناك ..🙂

    أما مصطفى لطفي ..

    فهو أديب قرأت سيرته ولم أقرأ كتبه ..

    أممم لربما ستدفعني إلى مطالعة كتبه ..

    دمت .. متذوقاً..

  4. Fares

    خنفشار ..

    المنفلوطي … أديب كبير .. تستحق كتبه القراءة … مرة ومرتين وثلاثا …

    ابدأ بالقراءة فقط …. وبعدها لن تنفك عن مطالعة كتبه ..

    دمت بود ..

  5. Fares

    العفو يابن العقاد ….

  6. قلم مكسور

    رغم عدم وفاقي مع المنفلوطي..
    وعدم حبي لكتاباته…
    إلا ان هذا النص المقتبس قد راقني موضوعه…
    وشدني حسن تصرفه بالمعاني..
    ولكنني اكره تكلفهم في تلك الحقبة الأدبية مما يصرفني عن مطالعة كتاباتهم…
    اشكرك أخي فارس…
    لربما كنت دافعا لي ذات يوم لأقرأ للمنفلوطي.

  7. Fares

    قلم مكسور ..

    صدقت فللمنفلوطي وزملائه تكلف نراه نحن في كتاباتهم .. لكنه بالطبع لا يخلو من الفائدة والمتعة ..

    أسعدني مرورك ….

    دمت بود …

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s